أطلق عميد مسجد باريس كتاب “مسلمو الغرب” خلال ندوة صحافية عُقدت داخل المسجد، وهو دليل موسع في نحو ألف صفحة أعدّته لجنتان دينية ومدنية، ويهدف – وفق القائمين عليه – إلى مساعدة المسلمين في فرنسا على التوفيق بين الالتزام الديني وقيم الجمهورية الفرنسية، خاصة في قضايا الزواج المدني، الحجاب، العلاقة بين الرجل والمرأة، ومقتضيات المواطنة.
المنهجية المعتمدة في الدليل ترتكز على ثلاثية: التكييف، الضرورة، والاجتهاد الجماعي، إلى جانب “ميثاق باريس” وقاموس لغوي مرفق. غير أن هذا التوجه أثار نقاشًا فكريًا حول ما إذا كان اعتماد “الضرورة” كقاعدة تنظيمية دائمة قد يحوّل الأحكام الاستثنائية إلى تصور مستقر للممارسة الدينية، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل الاجتهاد الفقهي في السياق الأوروبي.
يرى متابعون أن الإشكال لا يتعلق بأهمية المبادرة، بل بالبنية المعرفية التي يقوم عليها المشروع، إذ يُخشى أن يؤدي توحيد المرجعية الدينية إلى تقليص التعدد الفقهي الذي ميّز تاريخ الإسلام، خاصة في ظل حضور قوي للمذهب المالكي بين مسلمي فرنسا. كما يثير غياب مؤسسات عريقة مثل جامعة القرويين من قائمة الجهات المستشارة تساؤلات حول المعايير المرجعية المعتمدة.
ويحذر نقاد من أن الانتقال نحو نموذج مركزي في إدارة الشأن الديني قد يقترب من منطق “الهيكلة الكنسية”، في حين أن الإسلام تاريخيًا دين بلا مؤسسة احتكارية للتأويل، بل قام على تعدد المدارس والاجتهادات. كما أن استعمال مصطلح “مسلمو الغرب” يُعيد طرح إشكالية الهوية والانتماء في مجتمع فرنسي يضم ملايين المواطنين المسلمين.
في المحصلة، يفتح كتاب “مسلمو الغرب” نقاشًا أوسع حول مستقبل الإسلام في فرنسا: هل يكون عبر ضبط إداري مركزي، أم من خلال فضاء اجتهاد مفتوح يستثمر التراث الفقهي – خصوصًا المالكي – لإنتاج حلول من الداخل، منسجمة مع المواطنة وقيم العيش المشترك؟






تعليقات
0