لم تعد الأصولية مقصورة على الدين، بل ظهرت أصوليات ثقافية وعلمانية تختزل الهوية وتتعالى على التعدد، مستخدمة التاريخ واللغة والذاكرة كأدوات للسيطرة والإقصاء. هذه الأصوليات الجديدة، التي تتخفى خلف شعارات “الحقوق” و”الإنصاف التاريخي”، تحوّل الهوية من سؤال مفتوح إلى سلاح رمزي لتقسيم المجتمع وإعادة كتابة التاريخ بشكل انتقائي.
في المغرب، حيث تشكّلت الهوية عبر التداخل التاريخي بين العرب، الأمازيغ، الأندلسيين، الفينيقيين والأفارقة، تواجه هذه الأصوليات مصير الفشل، لأنها تصطدم بتعددية جذورها العميقة. غلاة العروبة والأمازيغية يتشاركون منطقاً إقصائياً، يحوّل اللغة والثقافة والتاريخ إلى أدوات لتثبيت “النقاء” وشرعنة العداء الرمزي بين المكونات.
الهوية المغربية الحقيقية ليست ثابتة أو أحادية، بل هي نسيج ديناميكي متحول يضم لغات متعددة، تراثاً متنوعاً، وممارسات دينية وثقافية متكاملة. القوة ليست في نقاء الأصل، بل في القدرة على التعايش مع التعدد والاختلاف. أي مشروع أصولي يسعى لتقويض هذا التنوع سيواجه المقاومة الطبيعية للتاريخ والواقع المتنوع.
الهوية الواعية اليوم هي التي تفتح الباب للتعدد، تعترف بالآخر داخل الكيان ذاته، وتحوّل الذاكرة واللغة والتاريخ إلى أدوات بناء لا إلى محاكم تفتيش رمزية، لتصبح عامل قوة بدل أن تكون أداة عنف داخلي. المغرب بحاجة إلى هوية ذكية، مفتوحة، تحفظ تراثه الغني، وتقاوم منطق الأصولية والإقصاء.





تعليقات
0